ابن ميثم البحراني
291
شرح نهج البلاغة
المتلافية فإنّه استدرك بها ما فسد من نظام الخلق وتلافى بها ما هلك من قلوبهم وأسوّد من ألواح نفوسهم ، والشرائع المجهولة طرايق دينه وقوانين شريعته الَّتي لم يكن ليهتدي إليها إلَّا بظهوره ، والبدع ما كانت عليه أهل الجاهليّة من الآثام والفساد في الأرض ، والأحكام المفصولة ما فصّله وبيّنه لنا من أحكام دين الإسلام الَّذي من ابتغى غيره دينا ضلّ عن سواء طريق النجاة فتحقّقت شقوته في الآخرة وانفصمت عروته : أي انقطع متمسّك النجاة في يده فعظمت عثرته في سفره إلى الآخرة وكان مرجعه إلى الحزن الطويل على ما فرّط في جنب اللَّه ومصيره إلى العذاب المهلك في دار البوار . ثمّ أنشأ يتوكَّل على اللَّه توكَّل المنيب إليه : أي الملتفت بقلبه عن غيره المسلَّم بجميع أموره إليه ، ويسأله الإرشاد إلى سبيله القاصدة إلى جنّته الَّتي هي محلّ الرغبة إليه . ثمّ عقّب بالموعظة فبدء بالوصيّة بتقوى اللَّه وطاعته وأطلق عليها لفظ النجاة مجازا إطلاقا لاسم المسبّب على السبب المادّي لكونها معدّة لإفاضة النجاة من عذاب يوم القيامة . وقيل : النجاة الناقة الَّتي ينجى عليها فاستعار لفظها للطاعة لأنّها كالمطيّة ينجو بها المطيع من العطب ، ولفظ المنجاة إذ هي محلّ النجاة دائما ، والضمير في رهّب ورغَّب للَّه : أي فأبلغ في وعيده وأسبغ الترغيب فأتمه ووصف الدنيا بالأوصاف الموجبة للرغبة عنها . ثم أمر عليه السلام بالإعراض عن زينتها ، وعلَّل حسن ذلك الإعراض بقلَّة ما يستصحب الإنسان منها إلى الآخرة ، وأراد الإعراض بالقلب الَّذي هو الزهد الحقيقيّ ، وإنّما قال : لقلَّة ذلك ولم يقل لعدمه لأنّ السالكين لابدّ أن يستصحبوا منها شيئا وهو ما يكتسبه أحدهم من الكمالات إلى الآخرة لكن القدر الَّذي يكتسبه المترفون من الكمالات إذا قصدوا بأموالهم وسائر زينة الحياة الدنيا الوصول إلى اللَّه تعالى قليل نور ، ومع ذلك فهم في غاية الخطر من مزلَّة القدم في كلّ حركة وتصرّف بخلاف أمر القشف الَّذين اقتصروا منها على مقدار الضرورة البدنيّة ، ويحتمل أن يريد بالقليل الَّذي يصحبهم منها كالكفن ونحوه ، وإنّما كانت أقرب دار من سخط اللَّه وأبعدها من إطاعة اللَّه لأنّ الميل فيها إلى اللهو واللعب والاستمتاع بزينتها المستلزم لسخط اللَّه أغلب